محمد باقر الملكي الميانجي

57

مناهج البيان في تفسير القرآن

ونادى ربّه في الظّلمات مستجيرا ومستغيثا : « لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » . ( الأنبياء / 87 ) فاستجاب - سبحانه - دعاءه ؛ وتاب عليه بفضله وكرامته ونجّاه من الغمّ . قوله تعالى : « لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) » . ولكنّ اللّه تعالى قبل عذره ، واستجاب دعوته ، وتاب عليه بكرامته ، ونبذ بالعراء غير مذموم . والعراء : ساحل البحر والفضاء العريض . قوله تعالى : « فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) » . قد فسّر الاجتباء بالاصطفاء والاختيار وقيل بترادفهما . واضطرب كلام بعض الأعيان في تفسيره ولم يأت بشيء مبين يطمئنّ إليه النّفس . أقول : تفسير الاجتباء بالاختيار والاصطفاء ضعيف جدّا . ولا يجوز الالتزام بترادفها . ففي الزّيارة الجامعة الكبيرة قال : « اصطفاكم بعلمه . وارتضاكم لغيبه . واختاركم لسرّه . واجتباكم بقدرته . » فإفراد ذكر الاجتباء يدلّ على عدم الترادف بينها . وقال تعالى : « يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ » . ( الشورى / 13 ) . فإنّ تعدية الاجتباء بإلى لا يلائم مع الاختيار والاصطفاء . قال في الجوامع / 428 : « يجتبي إليه » . الضّمير للدّين . أي : يجتلب إليه بالتوفيق من يشاء . وقريب منه ما في الكشّاف 3 / 464 . وقال الرّازي في تفسيره 27 / 157 : اشتقاق لفظ الاجتباء يدلّ على الضمّ والجمع . فمنه : جبى الخراج واجتباه . وجبى الماء في الحوض . فقوله : « اللّه يجتبي إليه » ؛ أي : يضمّه إليه ويقرّبه منه ، تقريب الإكرام والرّحمة . وهذا هو الظّاهر من الآية الكريمة والمتناسب بعبارة الزّيارة الجامعة . ويؤيّد ذلك ما في مجمع البحرين 1 / 8 : « ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ » ( طه / 122 ) ، أي : اختاره واصطفاه وقرّبه إليه . قوله تعالى : « وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ( 51 ) » . بيان : الآية الكريمة مسوقة لبيان شدّة بغض المشركين والمنافقين على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - حسدا وغيظا لما أكرم اللّه رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - بمواهب جليلة كريمة .